عبد الكريم بن ابراهيم الجيلي
51
الإنسان الكامل في معرفة الأواخر والأوائل
والخلقية ، فإن بظهوره في المراتب الحقية ظهرت المراتب الخلقية ، فصارت الرحمة عامة في جميع الموجودات من الحضرة الرحمانية ، فأوّل رحمة رحم اللّه بها الموجودات أن وجد العالم من نفسه ، قال تعالى : وَسَخَّرَ لَكُمْ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مِنْهُ « 1 » ولهذا سرى ظهوره في الموجودات ، فظهر كماله في كل جزء وفرد من أفراد أجزاء العالم ، ولم يتعدد بتعدد مظاهره ، بل هو واحد في جميع تلك المظاهر أحد على ما تقتضيه ذاته الكريمة في نفسها ، إلى غير ذلك من صفات الكمال ، وإلى ظهوره في كل ذرّة من ذرّات الوجود امتازت الطائفة بالوجود الساري في جميع الموجودات ، وسرّ هذا السريان أن خلق العالم من نفسه وهو لا يتجزأ فكل شيء من العالم هو بكماله ، واسم الخليقة على ذلك الشيء بحكم العارية ، لا كما يزعم من زعم أن الأوصاف الإلهية هي التي تكون بحكم العارية على العبد ، وأشار إلى ذلك بقوله : أعارته طرفا رآها به * فكان البصير لها طرفها فإن العارية ما هي في الأشياء ليست إلا نسبة الوجود الخلقي إليها ، وإن الوجود الحقي لها أصل فأعار الحقّ حقائقه اسم الخلقية لتظهر بذلك أسرار الألوهية ومقتضياتها من التضاد ، فكان الحق هيولي العالم ، قال اللّه تعالى : وَما خَلَقْنَا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما إِلَّا بِالْحَقِّ « 2 » فمثل العالم مثل الثلج ، والحقّ سبحانه وتعالى الماء الذي هو أصل هذا الثلج ، فاسم تلك الثلجة على ذلك المنعقد معار واسم المائية عليه حقيقة ، وقد نبهت على ذلك في القصيدة المسماة ب [ البوادر الغيبية في النوادر العينية ] وهي قصيدة عظيمة لم ينسج الزمان على كم الحقائق مثل طرازها ، ولم يسمح الدهر بفهمها لاعتزازها وموضع التنبيه قولي : وما الخلق في التمثال إلا كثلجة * وأنت بها الماء الذي هو نابع وما الثلج في تحقيقنا غير مائه * وغير أن في حكم دعته الشرائع ولكن بذوب الثلج يرفع حكمه * ويوضع حكم الماء والأمر واقع تجمعت الأضداد في واحد إليها * وفيه تلاشت وهو عنهن ساطع واعلم أن الرحمانية هي المظهر الأعظم والمجلي الأكمل الأعم ، فلهذا كانت
--> ( 1 ) آية ( 13 ) سورة الجاثية . ( 2 ) آية ( 85 ) سورة الحجر .